فيه أيضاً من سنة 163 للشهداء (447م) تنيَّح القديس العظيم الأنبا إشعيا الإسقيطي المتوحد بجبل شيهيت. ولد هذا القديس سنة 337م. وأحب النسك والعبادة منذ صغره، ولما بلغ سن الثامنة عشرة من عمره ترهَّب في برية شيهيت وتتلمذ على يد القديس أخيلس الذي دربه على النسك الشديد.
وعاصر القديس مكاريوس الكبير ورافقه كثيراً وتعلم منه الكثير من النسكيات. وكان من مشاهير النساك في برية شيهيت الذين شُغف بهم البابا أثناسيوس الرسولي وكان يسأل عنهم في رسائله.
واشتُهر القديس الأنبا إشعيا بحكمته العالية في توجيه وإرشاد الرهبان - خاصة المبتدئين منهم - أمثال القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك: وفي إحدى المرات كان أرسانيوس يأكل صنفَين من الطعام بقلاً وخلاً. فخجل الأنبا إشعيا أن يحدثه بالأمر - إذ كان يعلم حياته الأولى - فدخل قلاية الأب زينون فوجده يبل الخبز الجاف بماء فيه ملح بسبب الحر الشديد، فوجدها فرصة لا للتشهير بالراهب بل لتعليم أرسانيوس. فأخذ الأنبا إشعيا الوعاء الذي به ماء ووضعه أمام قلاية أرسانيوس وأمر فدقوا الجرس واجتمع الإخوة. عندئذٍ قال: "يا أخي، لقد تركتَ تنعمك وكلَّ مالك وجئتَ إلى الإسقيط حباً بالرب وبخلاص نفسك. فكيف تريد الآن أن تلذذ ذاتك بالأطعمة... إن كنتَ تريد أن تأكل مرقاً فامضِ إلى مصر، لأنه لا يوجد في الإسقيط تنعم." وإذ سمع أرسانيوس قال لنفسه: "هذا كلام موجه إليكَ يا أرساني". ومرة جلس القديس أرسانيوس يأكل فولاً مسلوقاً مع الرهبان، لكنه كان يأكل الجيد ويترك الرديء. فخشي الأنبا إشعيا أن يفسد أرسانيوس نظام الدير فاختار أحد الرهبان وقال له: "احتمل ما سأفعله بك لأجل الرب. اجلس بجانب أرسانيوس وتناول الفول الأبيض وكُله". فأجابه الأخ: "أمرك يا أبي" وفعل كما أمره. ففاجأه الأنبا إشعيا بضربةٍ قائلاً: "كيف تنتقي الفول الأبيض لنفسك وتترك الأسود لإخوتك". فصنع أرسانيوس ميطانية للأنبا إشعيا والإخوة وقال لذلك الأخ: "إن هذه اللطمة ليست لك بل موجهة لخد أرسانيوس".
وفي عام 407م ترك القديس الأنبا إشعيا مع تلاميذه برية شيهيت، بسبب غارة البربر الأولى. وعاش جنوب مدينة نصيبين مدة أربعين سنة. كتب خلالها كتابات كثيرة عن النسكيات، سميت "نسكيات إشعيا". وكتب أيضاً عن مخافة الله ومحاسبة النفس، والاتضاع وطرح النفس أمام الله، واللطف مع الإخوة، والحياة الأبدية، ونصائح للمبتدئين. وامتازت جميع كتاباته بالاستناد إلى المبادئ والمفاهيم الإنجيلية، وهي منتشرة بين رهبان الشرق المسيحي كله وبكافة اللغات القبطية والسريانية والحبشية، واليونانية واللاتينية كما تُرجمت إلى اللغة الفرنسية.
واهتم به الأباء السريان كثيراً ورفعوه إلى مستوى عالٍ من التكريم – مع أنه قبطي صميم. ولما بلغ القديس من العمر مائة وعشر سنين تنيَّح بسلام.
بركة صلوات القديس العظيم الأنبا إشعيا فلتكن معنا. ولربنا المجد دائماً أبدياً. آمين.