نياحة القديس الأنبا بيشوي
في مثل هذا اليوم من سنة 133 للشهداء (417م) تنيَّح القديس العظيم الأنبا بيشوي حبيب مخلصنا الصالح. ولد هذا القديس في شنشا بمحافظة المنوفية سنة 320م. كان أحد ستة إخوة بنين تنيَّح والدهم فربتهم والدتهم تربية مسيحية حقيقية. وذات مرة رأت الأم ملاكاً يطلب منها قائلاً: "إن الرب يقول لك أعطِني أحد أولادك ليكون خادماً له" فأجابته: "الذي يريده الرب يأخذه." فمد الملاك يده على القديس بيشوى، فقالت له الأم: "إنه نحيف الجسم." فقال لها الملاك: "إن قوة الرب في الضعف تكمل".
لما بلغ العشرين من عمره مضى وترهَّب عند القديس الأنبا بموا ببرية شيهيت. فعكف على العبادة والنسك مدة ثلاث سنوات، نما خلالها في الفضيلة والتهب قلبه حباً لله. وبعد نياحة معلمه أنفرد في مغارة، وكان يربط شعره بحبلٍ في سقفها حتى إذا غلبه النعاس يصحو. كان يصوم أسبوعاً أسبوعاً. وقد حفظ كثيراً من أسفار الكتاب المقدس، خاصة سفر أرميا الذي كان يأتي إليه ويفسر له ما صعب عليه لذلك دُعي بيشوي الأرمي.
ظهر له السيد المسيح وقال له: "يا مختاري بيشوي، السلام لك. قد نظرتُ تعبك وجهادك، وها أنا أكون معك" فأجابه: "أنت الذي تعبت معي يا رب. أما أنا فلم أتعب البتة". في مرة ثانية قال له الرب: "افرح يا مختاري بيشوي، أتنظر هذا الجبل؟ سوف يمتلئ بالرهبان ويعبدونني". فقال له القديس: "أتعولُهم يا رب؟" أجاب الرب: "إن أحبوا بعضهم بعضاً، وحفظوا وصاياي، فإنني أعولهم".
مرة أخرى ظهر له الرب في هيئة إنسان غريب فأضافه عنده فأخذ ماءً وغسل قدمَيه، وعرف أنه السيد المسيح من موضع المسامير في قدمَيه. ثم عزاه الرب وباركه، فشرب القديس من الماء. ولما جاء تلميذه طلب منه أن يشرب أيضاً، فلما توانى التلميذ وجد الإناء فارغاً وندم على عدم طاعته لمعلمه.
وطلب منه الآباء أن يروا الرب مثله، فوعدهم الرب بظهوره لهم عند الجبل في يوم محدد. وفي ذاك اليوم انطلق الجميع، وتأخر القديس لشيخوخته، ورأى شيخاً عاجزاً طلب منه أن يحمله. بالفعل حمله القديس وسار به ولم يشعر بالتعب. ثم بدأ الحمل يزيد جداً بما لا يستطيع حمله. فأدرك أنه يحمل السيد المسيح. فتطلع إليه وهو يقول: "السماء لا تسعك والأرض ترتج من جلالك، فكيف يحملك خاطئ مثلي؟" فقال له الرب: "لأنك حملتني يا حبيبي بيشوي فإن جسدك لن يرى فساداً". وإذ عرف الإخوة ما حدث حزنوا لأنهم عبروا بالشيخ ولم يعرفوا أنه المسيح.
وزاره القديس أفرام السرياني، فكانا يعظِّمان الله دون مترجم بينهما. وقد ترك مار أفرام عصاه بالقرب من مغارة القديس فصارت شجرة مار أفرام. لما عرف أحد الإخوة بقدوم مار أفرام جاء ليلحق به وينال بركته، لكن القديس بيشوي ناداه وقال له عنه أنَّ سحابة قد حملته. ومازالت شجرة مار أفرام موجودة بدير السريان العامر.
وجاء أيضاً القديس يحنَّس القصير لزيارة الأنبا بيشوي، فسمعه وهو يتحدث، لكن لما قرع باب القلاية لم يجد أحداً معه. فسأله عمَّن كان يتحدث معه؟ فقال: "قسطنطين الملك حضر عندي، وقال لي: ليتني كنت راهباً وتركت عني ملكي، فأنا لم أكن أتصور هذا المجد العظيم الذي للرهبان. إني أبصر الذين ينتقلون منهم يعطون أجنحة كالنسور، ولهم كرامة عظيمة في السماء".
وأثناء غارة البربر الأولى سنة 407م، ترك القديس برية شيهيت ومضى إلى أنصنا - وهي قرية الشيخ عبادة شرقي ملَّوي- وسكن هناك مع الأنبا بولا الطموهي، ولم يفترقا حتى بعد نياحتهما.
ولما أكمل جهاده، تنيَّح سنة 417م ودُفن في حصن منية السقار بجوار أنصنا. وفي زمن بطريركية الأنبا يوساب الأول البطريرك الثاني والخمسون في القرن التاسع، أعيد الجسدان إلى شيهيت بديره الحالي.
بركة صلواته فلتكن معنا. آمين.