نياحة القديس العظيم الأنبا شنودة رئيس المتوحدين
في مثل هذا اليوم من سنة 168 للشهداء (452م) تنيَّح القديس العظيم الأنبا شنودة رئيس المتوحدين. وُلد هذا القديس العظيم بقرية شتلالا (شندويل) من أبوَين مسيحيَين تقيَين. كان أبوه يدعى أبيجوس وأمه دروبا. رباه أبواه على التقوى والفضيلة، وكان يميل منذ صغره للخلوة والصلاة.
وفي التاسعة من عمره أرسله أبوه ليرعى غنمه مع الرعاة الآخرين، فكان يترك طعامه للرعاة ويظل صائماً طوال النهار، وفي طريق عودته آخر النهار كان ينفرد عن الرعاة ليصلي. وذات مرة شاهده أحد الرعاة جاثياً على ركبتَيه يصلي وأصابع يديه تضيء كالشموع وأشتم رائحة بخور زكية تفوح من حوله. ولما أُخبِر والده بالأمر رأى من الأفضل إلحاق الصبي شنودة بالدير الذي يرأسه خاله الأنبا بيجول حتى يشبِع رغبته بالصلاة والتأمل وينمو في الفضيلة.
وأخذه أبواه ومضيا إلى الدير وطلبا من الأنبا بيجول أن يباركه ويقبله عنده ليصير راهباً، ولشدة دهشتهما وجدا أن الأنبا بيجول بدلاً من أن يضع يده على رأس الصبي ليباركه، أخذ يد الصبي ووضعها على رأسه ليتبارك بها. وشهد بالروح أن هذا الطفلَ مختارٌ من الله وسيكون أباً عظيماً ورئيساً للدير، ثم قبله الأنبا بيجول في الدير تمهيداً لرسامته راهباً.
وفي إحدى الليالي رأى الأنبا بيجول ملاكاً يقول له: "بكر في الصبح واذهب إلى شنودة. ستجد بجواره إسكيم الرهبنة الذي باركه الرب يسوع بنفسه، فصلِّ وألبِسه إياه لأن هذا الصبي سيكون عظيماً وأباً لجموع كثيرة." تمَّم الأنبا بيجول ما سمعه من الملاك وألبس شنودة إسكيم الرهبنة، فصار راهباً فاضلاً ونما بحياة العبادة والنسك. وكانت الشياطين تحاربه، لكنه بالاتضاع والصلاة وعلامة الصليب، كان يغلبها وتحترق أمامه كالدخان.
بعد نياحة الأنبا بيجول أجمع الرهبان على أختياره رئيساً للدير نظراً لروحانيته وحزمه واهتمامه العظيم بالدير. فقبِل الأنبا شنودة هذا التكليف واعتنى بالدير والرهبان عناية كبيرة، حتى وصل عدد رهبانه إلى ما يقرب من 2500 راهب. وقد كانت رهبنته تتميز بالحزم الشديد، إذ وضع شروطاً دقيقة للقبول بالدير، وكانت المبادئ الرهبانية تنفذ بكل دقة. واهتم الأنبا شنودة كذلك بتعليم الرهبان، وبالعمل اليدوي للراهب. كما كان يشجع الرهبان على حياة الوحدة والعبادة كما اختبرها هو، وقد قضى في إحدى المرات خمس سنوات متوحداً في صلوات وتأملات، حتى استحق أن يسمع صوتاً سمائياً يقول له: "بالحقيقة يا شنودة قد صرتَ رئيساً للمتوحدين".
ولم تقتصر خدمة الأنبا شنودة على الرهبان فقط بل خدم الشعب أيضاً ففتح لهم أبواب ديره ليصلوا فيه ويأخذوا حاجتهم منه، كما بنى لهم كثيراً من الكنائس في القرى المجاورة للدير، وكان يدافع عنهم أمام المحاكم. اهتم كذلك باللغة القبطية والتراث القبطي عموماً معتزاً بمصريته وكنيسته القبطية.
ذهب الأنبا شنودة مع البابا كيرلس الأول عمود الدين بطريرك الإسكندرية إلى أفسس، لحضور المجمع المسكوني الذي عُقد بها سنة 431م لمحاكمة نسطور. وبعد محاكمته وحرمانه لم يجد المجمع مكاناً لنفي نسطور ومحاصرة بدعته أفضل من مدينة أخميم بجوار دير الأنبا شنودة، حيث لا يستطيع أن يضلل أحداً ومكث فيها إلى أن مات.
ووصل الأنبا شنودة إلى روحانية عالية حتى استحق أن يظهر له السيد المسيح مراراً ويتكلم معه.
ولما أكمل جهاده الصالح بسيرة ملائكية روحانية تنيَّح وانتقل إلى الراحة الأبدية، بعد أن بلغ من العمر مائة وعشرين عاماً، قضاها كلها في جهاد روحي وفي خدمة الرهبنة والكنيسة، وكتب فيها الكثير من الرسائل والميامر الروحانية العميقة.
بركة صلواته فلتكن معنا، ولربنا المجد دائماً أبدياً. آمين.